ابراهيم بن أبو المجد الدسوقي
34
الجوهرة المضيئة في سلوك الطالب ونصح البرية
وقد مدح اللّه قوما . قال تعالى : رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [ النّور : 37 ] وقال تعالى : رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [ الأحزاب : 23 ] واللّه تعالى يهدي من اهتدى . قال بعض المتقدمين : ألا إنّنا من معشر سبقت لهم * أيادي من الحسنى فعوفوا من الجهل ولم ينظروا يوما لشيء محرّم * ولم يعملوا غير التّقى من الفعل تعاين ما فوق السماوات كلّها * معاينة الأشخاص بالجوهر الجّل ونعلم ما كنّا ومن أين بدؤنا * وما نحن بالتصوير في عالم الشكل وإنّا وإن كنّا على عالم الثرى * فأرواحنا في عالم النّور تستعلي وما صعدت كي تختبره وإنما * رأت ذاتها في النّور في العالم العلوي فلم ترض بالدّنيا مقاما وآثرت * حقيقة ممثول وجلّت عن المثل وفينا من التوحيد والعقل شاهد * عرفنا هو التوحيد يعرف بالعقل وقال بعضهم : بينما أنا ذات يوم أتلو في المثاني « 1 » إذ برزت أنوار بطرازات ، فوقفت حائرا دهشا لما برز لي من معنى حروفها ومعاني كلماتها ما ظهر لي شرفها ، إنّ حرفا من حروفها يعجز عن تفسيره الثقلان وعن تأويله الإنس والجان ، فحمدت حمدا على معرفة الحمد وشكرت في ذلك المولى القدير السميع البصير القوي الشديد ؛ فإن من حقق ، وتحقق كلام اللّه كشف له عن كل غريبة واتضح له من ذلك كل عجيبة ، فإن لم يخدم لم يعلم طعم الخدمة ، ولا كشف له عن فائدة القراءة ، ولا حصل له ذوق لذاذة الإفادة ، كما حكي عن جعفر الصادق رضي اللّه عنه قال : « ما برحت أكرر كلام اللّه حتى سمعته » فالقراءة المفيدة والصلاة المبرورة المستفيدة إنما هي تكون بخوف من اللّه ورقة وحضور وذلة ، وسكون وحضور مع اللّه تعالى وصون وصدق ، فإنما المصلي الصادق كلما تحرك يكشف له عن أمور وعلوم وغيوب كما قال تعالى : وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ [ البقرة : 255 ] ولهذا دواء وعلاج وشفاء ، فإن الكل في القرآن ، فإن النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقول : « فمن لم يشفه القرآن فلا
--> ( 1 ) قال القنوجي في أبجد العلوم : وأطلق اسم المثاني على آيات القرآن كلها على العموم واختصت بأم القرآن ( سورة الفاتحة ) للغلبة فيها كالنجم للثريا ، ولهذا سميت ( الفاتحة ) السبع المثاني . ( الباب السادس [ 1 / 287 ] ) .